علي بن محمد البغدادي الماوردي
332
أدب الدنيا والدين
أنكاها للقلوب وأبلغها أثرا في النفوس ولذلك زجر اللّه عند بالحدّ تغليظا وبالتفسيق تشديدا وتصعيبا وقد يكون ذلك لأحد شيئين إما انتقام يصدر عن سفه أو بذاء يحدث عن لؤم . وقد روى أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « المؤمن غرّ « 1 » كريم والفاجر خبّ لئيم » . وقال ابن المقفع : الاستطالة لسان الجهالة . وكف النفس عن هذه الحال بما يصدّها من الزواجر أسلم وهو بذي المروءة أجمل فهذا شرط . وأما العفة عن المآثم فنوعان : أحدهما الكف عن المجاهرة بالظلم والثاني زجر النفس عن الأسرار بخيانة . فأما المجاهرة بالظلم فعتوّ مهلك وطغيان متلف وهو يؤول ان استمر إلى فتنة أو جلاء فأما الفتنة في الأغلب فتحيط بصاحبها وتنعكس على البادئ بها فلا تنكشف إلّا وهو بها مصروع كما قال اللّه تعالى : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الفتنة نائمة فمن أيقظها صار طعاما لها » . وقال جعفر بن محمد : الفتنة حصاد للظالمين وقال بعض الحكماء : صاحب الفتنة أقرب شيء أجلا وأسوأ شيء عملا . وقال بعض الشعراء : وكنت كعنز السوء قامت لحتفها * إلى مدية « 2 » تحت الثرى تستثيرها وأما الجلاء فقد يكون من قوّة الظالم وتطاول مدّته فيصير ظلمه مع المكنة جلاء وفناء كالنار إذا وقعت في يابس الشجر فلا تبقى معها مع تمكنها شيئا حتى إذا أفنت ما وجدت اضمحلت وخمدت فكذا حال الظالم مهلك ثم هالك . والباعث على ذلك شيئان الجراءة والقسوة ولذلك قال النبي عليه السلام : « اطلبوا الفضل والمعروف عند الرحماء من أمتي تعيشوا في أكنافهم » والصادّ عن ذلك أن يرى آثار اللّه تعالى في الظالمين فإن له فيهم عبرا ويتصوّر عواقب ظلمهم فإن فيها مزدجرا . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « من أصبح ولم ينو ظلم أحد غفر اللّه له ما اجترم » . وروى جعفر ابن محمد عن أبيه عن جدّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « يا علي اتق دعوة
--> ( 1 ) غر : أي يغره كل أحد . ويغير كل شيء . ( 2 ) المدية : بحركات الميم الشفرة والسكين .